الشنقيطي
433
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
العلم والاقرار ، ويقولون متى هذا الوعد ؛ فنزل قوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ للزجر عن ذلك . كأنه يقول لهم : ليس ببدع منكم أن تستعجلوا ؛ فإنكم مجبولون على ذلك ، وهو طبعكم وسجيتكم . ثم وعدهم بأنه سيريهم آياته ، ونهاهم أن يستعجلوا بقوله : سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) ؛ كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] . وقال بعض أهل العلم : المراد بالإنسان في قوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ آدم . وعن سعيد بن جبير والسدّي : لما دخل الروح في عيني آدم نظر في ثمار الجنة ، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام ، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ؛ فذلك قوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ . وعن مجاهد والكلبي وغيرهما : خلق آدم يوم الجمعة في آخر النهار ، فلما أحيا اللّه رأسه استعجل وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس . والظاهر أن هذه الأقوال ونحوها من الإسرائيليات . وأظهر الأقوال أنّ معنى الآية : أنّ جنس الإنسان من طبعه العجل وعدم التأني كما بيّنا ، والعلم عند اللّه تعالى . وقال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة : والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنّه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم ، واستعجلت ذلك ؛ فقال اللّه تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ لأنّه تعالى يملى الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، يؤجل ثم يعجل ، وينظر ثم لا يؤخر ؛ ولهذا قال : سَأُرِيكُمْ آياتِي أي نقمي وحكمي ، واقتداري على من عصاني فلا تستعجلون . انتهى منه . قوله تعالى : لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 39 ) [ 39 ] . جواب « لو » في هذه الآية محذوف ، وقد قدّمنا أدلّة ذلك وشواهده من « العربية » في سورة « البقرة » ، وأشرنا إليه في سورة « إبراهيم » وسورة « يوسف » . ومعنى الآية الكريمة : لو يعلم الكفار الوقت الذي يسألون عنه بقولهم : متى هذا الوعد ؟ وهو وقت صعب شديد ، تحيط بهم فيه النار من وراء وقدّام . فلا يقدرون على منعها ودفعها عن أنفسهم ، ولا يجدون ناصرا ينصرهم ، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ، ولكن جهلهم بذلك هو الذي هوّنه عليهم . وما تضمّنته هذه الآية الكريمة من المعاني جاء مبينا في مواضع أخر من كتاب اللّه تعالى . أما إحاطة النار بهم في ذلك اليوم - فقد جاءت موضحة في آيات متعددة ، كقوله تعالى : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) [ الكهف : 29 ] ، وقوله تعالى : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] الآية ، وقوله تعالى : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ